إصلاحات الجيل الثاني تلغم الدخول المدرسي المقبل

إصلاحات الجيل الثاني تلغم الدخول المدرسي المقبل

حركت “خرجات” وزيرة التربية الوطنية، نورية بن غبريط، مياه هذا الصيف الراكدة، بإصلاحاتها المثيرة للجدل، ويبدو أن شهر أوت المقبل سيكون أكثر سخونة، كونه سيشهد إصدار أولى الكتب المدرسية التي ستميط اللثام عن حقيقة إصلاحات الجيل الثاني للمنظومة التربوية، والتي باتت تهدد مصير الدخول المدرسي المقبل، في ظل التململ الذي يعيشه قطاع التربية هذه الأيام.

بن غبريط تقول إن هذه الإصلاحات هي إحداث تناغم بين الطورين الثانوي والجامعي، غير أن منتقديها يشتمون مما تقوم به رائحة الإيديولوجية، لأن الشعار الذي ترفعه يتنافى وحقيقة مفادها أن المصلحة تقتضي تسبيق اللغة الأكثر على الأقل مرافقة للتطور التكنولوجي والعلمي.

فهل بن غبريط جانية أم مجني عليها؟ وما خلفية تشيع بن غبريط للغة الفرنسية على حساب الإنجليزية وقبلها العربية؟ هذه الأسئلة وأخرى سيحاول الملف السياسي لهذا العدد الإجابة عليها.

قزمت العربية وقدمت الفرنسية على الإنجليزية

بن غبريط تنسي الجزائريين في بن بوزيد

يكشف حرص وزيرة التربية الوطنية، نورية بن غبريط، على تفضيل الفرنسية على غيرها من اللغات، بما فيها العربية، اللغة الأم لملايين التلاميذ، عن وجود أجندة، فيها الكثير من الإيديولوجية والقليل من الاعتبارات التربوية، تعكف الوزيرة على تنفيذها.

التوجهات “المشبوهة” للوزيرة في نظر خبراء التربية، تبدو أكثر من مؤكدة، كونها انتصرت لتيار على حساب آخر، في أحدث حلقة من مسلسل الصراع الموروث عن الحقبة الاستعمارية، طرفاه المدافعون عن واحدة من مقومات الجزائريين، والمتشيّعون للغة فولتير بحجة أنها “غنيمة حرب”، كما يقول منظروهم.

يقول المطلعون على خبايا أجندة بن غبريط، إن نية الوزيرة لو كانت بريئة هدفها النهوض بالمنظومة التربوية، لكانت قد فضلت اللغة الإنجليزية باعتبارها اللغة الحية الأولى في العالم، قبل الفرنسية، التي لم تعد قادرة حتى على فرض ذاتها في عقر دارها فرنسا.

من بين المبررات التي ساقتها الوزيرة لفرض مشروع فرنسة المدرسة الجزائرية (تدريس المواد العلمية بالفرنسية بداية من الطور الثانوي)، هو قلة المعروض من المؤطرين في اللغة الإنجليزية، وهو مجرد تبرير لا ينطلي على أحد، لأن أضراره أكثر بكثير مما يحمله من منافع إن كانت أصلا!

وفضلا عن ذلك، فمؤطرو اللغة الفرنسية غير متوفرين في النظام القديم، إذ هناك مدارس ومتوسطات وثانويات في بعض المدن الداخلية، لم تعثر على أساتذة طيلة سنة دراسية كاملة، فكيف سيكون الأمر بعد أن يزداد الطلب عليهم في ظل تدريس اللغات العلمية بداية من العام المقبل باللغة الفرنسية؟ إنه السؤال الذي يتعين على بن غبريط الإجابة عنه.

فتدريس المواد العلمية بالفرنسية في الثانوي سيصدم من دون شك شرائح واسعة من التلاميذ الذين لا يتقنون هذه اللغة، وسيستفيد من هذا الإجراء أبناء أقلية قليلة جدا، تعتمد الفرنسية لغة تواصل في المحيط العائلي. ولعل هذا الاعتبار تكون بن غبريط قد حضرت له جيدا، من خلال مسابقة الأساتذة التي كانت الفرنسية جزءا منها.

وعلى الرغم مما قيل عن وزير التربية الأسبق، أبوبكر بن بوزيد، وهو الذي أشرف على تنفيذ الجيل الأول من الإصلاحات، إلا أن الرجل تبيّن أنه كان أكثر حرصا على حماية ثوابت ومقومات الأمة، خلال إدارته دفة قطاع التربية.

لقد عرف بن بوزيد كيف يتحايل على الضغوط التي مورست عليه عبر أجندة بن زاغو، واستطاع التكيّف معها ونجح في إفشال جزء من مخططات بن غبريط (كانت عضوا في لجنة بن زاغو لإصلاح المنظومة التربوبة)، التي كانت تراقب المشهد من خلف الستار.

فعندما تعاظمت عليه الضغوط لتدريس الفرنسية انحنى (بن بوزيد) للعاصفة، فقبل بتنزيل تدريس اللغة الفرنسية إلى السنة الثانية ابتدائي، لكنها كانت حيلة من الرجل، كما ذكر أحد مستشاريه، لأن الحال لم تدم سوى سنة واحدة فقط، ليقرر بعدها بن بوزيد دحرجة تدريس الفرنسية إلى السنة الرابعة ابتدائي، بعد أن أقنع صناع القرار بأن الإبقاء على تدريسها في السنة الثانية يفوق القدرات الاستيعابية للتلاميذ.

ويؤكد مقربون من وزير التربية الأسبق أن الرجل كان يقول لمستشاريه إنه لم يكن مستعدا لصدم الجزائريين بقرار يفضل لغة المستعمر على حساب لغة الضاد، وهكذا نجح الوزير في تفادي أن يسجل التاريخ عليه سقطة تبقى تلاحقه وتلاحق عائلته.

ويبدو أن بن غبريط كانت تنتظر الفرصة على أحر من الجمر، وهي تقف على عرقلة ما خططت هي ورفقاؤها له في لجنة بن زاغو، ولذلك لم تلبث أن وضعت الجيل الثاني من الإصلاحات حيز التجسيد، لكن في أبشع صوره.

المصدر

شاهد أيضاً

وزارة التربية تُشدّد إجراءات إعفاء التلاميذ من حصة التربية البدنية

وزارة التربية تُشدّد إجراءات إعفاء التلاميذ من حصة التربية البدنية

تناقصت وبشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، أعداد التلاميذ المعفييّن من دون أسباب مرضية من حصّة …